النقد التطبيقي تماسٌّ مع النص
قراءة في كتاب
" في عالم علي عبد الله خليفة(1)
الشعري " (2)
فاتحة :
إذا كان الإبداع استجابة لذات المبدع ، وتحقيقا لرغبتها في الخلق ، فإن النقد هو استجابة للنص بتلميحاته وإشاراته ، ورؤاه ، وبالتالي يصبح نقد النقد كشفا لمنهجية الاستجابة الثانية ، وبحثا في خارطة القراءة النقدية التي رسمها الناقد في تعاطيه النصي .
ولعل أكثر ما تفتقد إليه الحركة النقدية العربية هو ذلك النقد التطبيقي الذي يحتكُّ مع النص ، ويلتقي معه ، بشكل مباشر ، يعيده إلى مسافاته ، ويكتشف أسرار قراءته منه ، فهو نقد يدخل في حميمية النص ، يتلمس دفئه ، وأحلامه ، وخفاياه ، لتكون مُنطَلَقا إلى التأسيس النقدي النظري .
أما النقد الذي يشطح في تنظيراته ، ويغيب في مصطلحاته ، مكتفيا بتهويمات بسيطة حول النص ، فهو نقد يدور في فلك فارغ ، ناسيا أو متغاضيا عن فكرة : أن النظريات والمناهج النقدية ، لا تأخذ مصداقيتها إلا إذا انطلقت في تأسيس رؤاها من النص الإبداعي ، وبدون ذلك يبقى النقد في تيه نظرياته ، تاركا الإبداع في عزلة خلف أبوابه المغلقة ، ومن هنا تأتي أهمية النقد التطبيقي الذي لا يتأخر أبدا في طرق تلك الأبواب وفتحها ، لكشف ما وراءها ، مستعينا بها للوصول إلى تحقيق الطموح الحقيقي للنقد ، وهو تجسير العلاقة بينه وبين النص وبالتالي بين النص وبين المتلقي .
وتأتي أهمية كتاب ( في عالم علي عبد الله خليفة الشعري ) من تلك الرؤية النقدية ، والمنهجية العلمية التي اتبعها المؤلفان في استقصاء أبعاد النص الشعري ، واستجلاء أغواره ، بمحاولة لكشف المفاتيح النقدية والأصول المنهجية التي يُومئ بها النص للناقد ، من النص ذاته ، منطلقين من مقولة " إن كل عمل فني يمثل حالة خاصة ، ويجب أن يحكم عليه باعتباره حالة خاصة ، والحكم يجب أن يكون بحسب جدارته وقيمته " (3)
في دائرة الكتاب :
الكتاب من تأليف الدكتور يوسف شحادة (4) ، والبروفيسور : بربارا ميخالك ـ بيكولسكا (5) ومراجعة البروفيسور : إيفا ماخوت ـ مينديتسكا.
يقع الكتاب في / 388 / صفحة من القطع الكبير ، وجاء في أربعة أبواب بين مقدمة وخاتمة ، إضافة إلى ملخص باللغة الإنكليزية .
وبالقراءة الدقيقة للكتاب تتضح الخطة النقدية أو المنهج النقدي الذي انطلق منه المؤلِفان في قراءة أشعار الشاعر علي عبد الله خليفة ، حيث انطلقا من الرؤية الكلية ، الموجزة ، التي تحدد المعالم الأساسية في تجربة الشاعر ، والتي تكون متكأ للغوص في الظواهر التي يطرحها النص الشعري ضمن بنيته الفنية الخاصة به ،
لذلك جاء الباب الأول على شكل مقالات ذات نظرة كلية عن المجموعات الشعرية المدروسة ، وهي بمثابة مفاتيح للدخول إلى النص الشعري ، حيث توضح المدلولات العامة لتلك المجموعات ، أ و النصوص ، محددة الإطار العام الذي تتولف القصائد حوله ، في محاولة لتأسيس منطلق أولي ، يُعين على فك شيفرة الدخول إلى النص ، وقد سبق هذا الباب مقدمة تناولت حياة الشاعر والخط البياني لتطور أدواته الشعرية ، لتكتمل المفاتيح النقدية ، بربط حياة الشاعر ـ التي لا شك تساهم في الكثير من فك خفايا النص ـ بالرؤية الكلية للمجموعات ، وليصبح المنهج النقدي منهجا واضحا ، حيث يستعين بسيرة المؤلف أو الشاعر ببعديها الزماني والمكاني ، لتأويل النص الشعري ، الذي هو بشكل من الأشكال ، يتنفس أحزان وأحلام ، ورؤى الشاعر بين حروفه .
وباستعراضنا للباب الأول ندرك هذا الربط المتولد من حالة الاتصال والانفصال بين النص ومبدعه ، حالة الاتصال بكونه نصا يحمل فيض الشاعر في كلماته ، وحالة الانفصال بكونه نصا يتشكل في القارئ بعدما انتهى الشاعر من تشكيله الأول .
ومن هنا درس الناقدان في الباب الأول :
أنين الصواري … الجرح الكبير الثائر
عطش النخيل … البلاد والمواويل
الوطن… وإضاءة لذاكرة الوطن
عصافير المسا… الحب، الوطن، والاشتعال
وداع السيدة الخضراء… الوداع الفاجع
حورية العاشق… والعشق المطلق
حيث نلاحظ من الإضاءات التي ألحقها الناقدان بعناوين المجموعات ، تلك الصلة بين ذات الشاعر وبين النص ، ولا أعني بالذات هنا الفردية ، وإنما أعني الذات التي تتشكل في ذوات الآخرين ، وفي أحلامهم ، حيث يتلمس الشاعر جراح الناس وهمومهم ، وألم الأوطان ، وما تعانيه ، ووجد الحب والعشق في دائرة الفردية ، وفي دائرة البعد الإنساني ، الذي يوحد بين الذات والوطن ، وبين المرأة والأرض .. الخ وبالتالي تتضح الرؤية النقدية أمام الباحثين ، للدخول إلى النص والبحث في أسراره ومداه وفضاءاته حيث كان موضوع الباب الثاني في دائرة الإنسان والزمان والمكان بداية لكشف المدى الإنساني المتجسد في قصائد الشاعر الذي " يمضي بجرحه الكبير حاملا جراح الشعوب الأخرى، متنقلا في أصقاع العالم المحرومة من كل عيش كريم " كما في مجموعتيه " إضاءة لذاكرة الوطن " و " أنين الصواري " ولعل هذه الصورة للجرح الكبير التي يتلمس فيها الشاعر أحزان العالم ، قد فتحت أمام الباحثين نافذة أخرى في شعر الشاعر خليفة حيث العلاقة مع الزمن ، والدخول في حالة من الاغتراب النفسي ، لتتضح أمامهما تلك الصورة القاسية للزمن التي انسكبت في صور الشاعر وهو يقرأ الخيبة في الزمن الرديء ، وبالتالي انكشفت رؤية أخرى للألم الكامن في نفس الشاعر وفي النص
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |